فصل: قال السمين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92)}
أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد خلفتم بالمدينة أقوامًا ما أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم واديًا، ولا نلتم من عدوّ نيلًا، إلا وقد شركوكم في الأجر، ثم قرأ {ولا على الذين إذا ما أتوك...} الآية».
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن ينبعثوا غازين، فجاءت عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن معقل المزني، فقالوا: يا رسول الله احملنا؟ فقال: «والله ما أجد ما أحملكم عليه. فتولوا ولهم بكاء وعز عليهم أن يحبسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقة ولا محملًا. فأنزل الله عذرهم {ولا على الذين إذا ما أتوك...} الآية».
وأخرج ابن سعد ويعقوب بن سفيان في تاريخه وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبد الله بن معقل قال: إني لمن الرهط الذين ذكر الله: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} الآية.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحملونه فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه، فأنزل الله: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم...} الآية».
قال: وهم سبعة نفر من بني عمر بن عوف سالم بن عمير، ومن بني واقن حرميّ بن عمرو، ومن بني مازن ابن النجار عبد الرحمن بن كعب يكنى أبا ليلى، ومن بني المعلي سلمان بن صخر، ومن بني حارثة عبد الرحمن بن زيد أبو عبلة، ومن بني سلمة عمرو بن غنمة، وعبد الله بن عمرو المزني.
وأخرج ابن مردويه عن مجمع بن حارثة قال: الذين استحملوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا أجد ما أحملكم عليه سبعة نفر. علية بن زيد الحارثي، وعمر بن غنم الساعدي، وعمرو بن هرمي الرافعي، وأبو ليلى المزني، وسالم بن عمرو العمري، وسلمة بن صخر الزرقي، وعبد الله بن عمرو المزني.
وأخرج عبد الغني بن سعيد في تفسيره وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس في قوله: {ولا على الذين إذا ما أتوك...} الآية.
قال: منهم سالم بن عمير أحد بني عمرو بن عوف.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر الكلاعي قال: أتينا العرباض بن سارية، وكان من الذين أنزل الله فيهم {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم...} الآية.
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} قال: هم بنو مقرن من مزينة، وهم سبعة.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: والله إني أحد النفر الذين أنزل الله فيهم {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم...} الآية.
وأخرج ابن إسحق وابن المنذر وأبو الشيخ عن الزهري ويزيد بن يسار وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمرو بن قتادة وغيرهم أن رجالًا من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم البكاؤون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم. من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير، ومن بني حارثة عتبة بن زيد، ومن بني مازن ابن النجار أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، ومن بني سلمة عمرو بن عمرو بن جهام بن الجموح، ومن بني واقف هرمي بن عمرو، ومن بني مزينة عبد الله بن معقل، ومن بني فزارة عرباض بن سارية، فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا أهل حاجة؟ قال: «لا أجد ما أحملكم عليه».
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن الحسن رضي الله عنه قال: كان معقل بن يسار من البكائين الذين قال الله: {إذا ما أتوك لتحملهم...} الآية.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن وبكر بن عبد الله المزني في هذه الآية: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} قالا: نزلت في عبد الله بن معقل من مزينة، أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليحمله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن لهيعة. أن أبا شريح الكعبي كان من الذين قال الله: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم}.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك في قوله: {لا أجد ما أحملكم عليه} قال: الماء والزاد.
وأخرج ابن المنذر عن علي بن صالح قال: حدثني مشيخة من جهينة قالوا: أدركنا الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان. فقالوا: ما سألناه إلا الحملان على النعال {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم}.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم بن أدهم في قوله: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} قال: ما سألوه الدواب، ما سألوه إلا النعال.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: استحملوه النعال. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

.قال السمين:

{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا}
قوله تعالى: {وَلاَ عَلَى الذين}: فيه أوجه:
أحدها: أن يكون معطوفًا على {الضعفاء}، أي: ليس على الضعفاء ولا على الذين إذا ما أَتَوْك، فيكونون داخلين في خبر ليس، مُخبرًا بمتعلقهم عن اسمِها وهو {حَرَج}. الثاني: أن يكون معطوفًا على {المحسنين} فيكونون داخلين فيما أَخْبر به عن قوله: {من سبيل}، فإنَّ {مِنْ سبيل} يحتمل أن يكون مبتدأً، وأن يكون اسمَ {ما} الحجازية، و{مِنْ} مزيدةٌ في الوجهين. الثالث: أن يكون {وَلاَ عَلَى الذين} خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: ولا على الذين إذا ما أتوك إلى آخرِ الصلةِ حرجٌ أو سبيل، وحُذِفَ لدلالةِ الكلامِ عليه، قاله أبو البقاء، ولا حاجةَ إليه لأنه تقديرٌ مُسْتغنىً عنه، إذ قد قَدَّر شيئًا يقومُ مقامَه هذا الموجودُ في اللفظ والمعنى. وهذا الموصولُ يحتمل أن يكونَ مندرجًا في قوله: {وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ} وذُكِروا على سبيل نفي الحرج عنهم وأن لا يكونوا مندرجين، بأن يكون هؤلاء وجدوا ما ينفقون، إلا أنهم لم يجدوا مَرْكوبًا.
وقرأ معقل بن هرون {لنَحْملهم} بنونِ العظمة. وفيها إشكالٌ، إذ كان مقتضى التركيبِ: قلت لا أجدُ ما يَحْملكم عليه الله.
قوله: {قلت} فيه أربعةُ أوجهٍ:
أحدُها: أنه جوابُ {إذا} الشرطية، و{إذا}، وجوابُها في موضعِ الصلة، وقعت الصلةُ جملةً شرطيةً، وعلى هذا فيكون قوله: {تَوَلَّوا} جوابًا لسؤالٍ مقدرٍ، كأن قائلًا قال: ما كان حالُهم إذا أُجيبوا بهذا الجواب؟ فأُجيب بقوله: {تولُّوا}.
الثاني: أنه في موضع نصب على الحال من كاف {أَتَوْك}، أي: إذا أَتَوْك وأنت قائلٌ: {لا أجدُ ما أحملكم عليه}، وقد مقدرة عند مَنْ يشترط ذلك في الماضي الواقع حالًا كقوله: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [النساء: 90] في أحد أوجهه، كما تقدم تحقيقه، وإلى هذا نحا الزمخشري.
الثالث: أن يكونَ معطوفًا على الشرط، فيكونَ في محلِّ جرٍ بإضافة الظرف إليه بطريق النَّسَق، وحُذِفَ حرفُ العطفِ، والتقدير: وقلت: وقد تقدم لك كلامٌ في هذه المسألةِ وما استشهد الناس به عليها. وإلى هذا ذهب الجرجانيُّ، وتبعه ابن عطية، إلا أنه قدَّر العاطفَ فاءً، أي: فقلت.
الرابع: أن يكونَ مستأنفًا.
قال الزمخشري: فإنْ قلت: هل يجوزُ أن يكونَ قوله: {قلت لا أجدُ} استئنافًا مثله يعني مثل {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف} كأنه قيل: إذا ما أَتَوْك لتحملهم تَوَلَّوا، فقيل: ما لهم تَوَلَّوا باكين فقيل قلت: لا أجد ما أحملكم عليه، إلا أنه وسطٌ بين الشرطِ والجزاءِ كالاعتراض.
قلت: نعم ويَحْسُن. انتهى.
قال الشيخ: ولا يجوزُ ولا يَحْسُن في كلام العرب فكيف في كلام الله؟ وهو فَهْمُ أعجميٍّ.
قلت: وما أدري ما سَبَبُ منعه وعدم استحسانه له مع وضوحه وظهوره لفظًا ومعنى؟ وذلك لأن تولِّيَهم على حاله، فيصير الدمع ليس مترتبًا على مجردِ مجيئهم له عليه السلام ليحملَهم، بل على قوله لهم {لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ}، وإذا كان كذلك فقوله عليه السلام لهم ذلك سببٌ في بكائهم، فَحَسُن أن يُجْعَلَ قوله: {قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ} جوابًا لمَنْ سأل عن علِة تَوَلِّيهم وأعينُهم فائضةٌ دمعًا، وهو المعنى الذي قَصَدَه أبو القاسم. وعلى هذه الأوجهِ الثلاثة التي قَدَّمتها في {قلت} يكون جوابه قوله: {تولَّوا}، وقوله: {لتحملَهم} علةٌ لـ {أَتَوْك}. وقوله: {لا أجد} هي المتعديةُ لواحدٍ لأنها من الوُجْد. و{ما} يجوز أن تكونَ موصولةً أو موصوفةً.
قوله: {وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ} في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ فاعل {تَوَلَّوا}، قال الزمخشري: {تفيضُ من الدمع} كقولك: تفيض دمعًا، وقد تقدَّم هذا في المائدة مستوفىً عند قوله: {ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع} [التوبة: 83] وأنه جعل {من الدمع} تمييزًا، و{مِنْ} مزيدةً، وتقدَّم الردُّ عليه في ذلك هناك فعليك بالالتفات إليه.
قوله: {حَزَنًا} في نصبه ثلاثةُ أوجه:
أحدها: أنه مفعولٌ مِنْ أجله والعاملُ في {تفيض} قاله الشيخ. لا يُقال إن الفاعلَ هنا قد اختلف، فإن الفَيْضَ مسند للأعين والحزنَ صادرٌ من أصحاب الأعين، وإذا اختلف الفاعل وَجَبَ جرُّه بالحرف لأنَّا نقول: إن الحزنَ يُسْنَدُ للأعين أيضًا مجازًا يقال: عين حزينةٌ وسخينة، وعين مسرورةٌ وقريرة في ضدِّ ذلك. ويجوز أن يكونَ الناصب له {تَوَلَّوا} وحينئذٍ يتحد فاعلا العلةِ والمعلول حقيقةً.
الثاني: أنه في محلِّ نصبٍ على الحال، أي: تَوَلَّوا حزينين أو تفيض أعينُهم حزينةً على ما تقدَّم من المجاز.
الثالث: أنه مصدر ناصبُه مقدرٌ مِنْ لفظِه، أي: يحزنون حزنًا قاله أبو البقاء. وهذه الجملةُ التي قدَّرها ناصبة لهذا المصدر هي أيضًا في محلِّ نصبٍ على الحال: إمَّا من فاعل {تَوَلَّوا} وإمَّا من فاعل {تفيض}.
قوله: {أَلاَّ يَجِدُواْ} فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعولٌ من أجله، والعامل فيه {حَزَنًا} إنْ أعربناه مفعولًا له أو حالً، وأمَّا إذا أعربناه مصدرًا فلا، لأن المصدر لا يعمل إذا كان مؤكدًا لعامِله، وعلى القول بأنَّ {حَزَنًا} مفعول من أجله يكون {أن لا يَجِدوا} علةً العلة، يعني أنه يكون عَلَّلَ فيْضَ الدمع بالحزن، وعَلَّل الحزن بعدم وُجْدان النفقة، وهذا واضحٌ، وقد تقدَّم لك نظيرُ ذلك في قوله: {جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ الله} [المائدة: 38]. والثاني: أنه متعلق بـ {تفيض}.
قال الشيخ: قال أبو البقاء: ويجوز أن يتعلَّق بـ {تفيض}. ثم قال الشيخ: ولا يجوز ذلك على إعرابه {حزنًا} مفعولًا له، والعامل فيه {تفيض}، إذ العاملُ لا يقتضي اثنين من المفعول له إلا بالعطف أو البدل. اهـ.

.قال أبو العباس المقرئ:

ورد لفظ التَّولِّي في القرآن على أربعة أوجه:
الأول: بمعنى الانصراف، قال تعالى: {تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ} [التوبة: 92] ومثله قوله تعالى: {ثُمَّ تولى إِلَى الظل} [القصص: 24] أي: انصرف.
الثاني: بمعنى: أبَى، قال تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم} [المائدة: 49] أي: أبَوْا أن يؤمنوا؛ ومثله قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم} [النساء: 89].
الثالث: بمعنى: أعرض قال تعالى: {وَمَن تولى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80].
الرابع: الإعراض عن الإقبال، قال تعالى: {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدبار} [الأنفال: 15]. اهـ.